الرئيسية / أخبار عاجلة / اسماعيل السعيد يكتب : أيتها العير أنكم لكاذبون !

اسماعيل السعيد يكتب : أيتها العير أنكم لكاذبون !

 

نــعم ..
أنا ذلك الرجل
الذي وقع معهم اتفاقية (الدفء مقابل الغذاء) ، وحصل مقابل ذلك على رغيف خبز و (ولاعة)، وعندما عاد إلى بيته وجد على الوسادة علامة استفهام ..
فخرج هائماً على حزنه يبحث ..
من أين تنبع الدروب ؟وأين ينتهي فيها المصب ؟وما الذي يمكن عمله كي لا تذبل الخطى بعد أن تجف ضفاف (الشوارع) ؟!

 

نعم ..
أنا ذلك الرجل
الذي نادىَ في الناس ، وحين أجتمعوا من حوله وأراد أن يحدثهم عن التفائل ، طارت عصافير الكلام من أغصان ذاكرته ، ونبت على لسانه الـعشب !..

 

 

١/

بَدت الأم شاردة الذهن وهي تُقلب في هاتفها ألأسود القديم الذي تحمله .
فقد قاربت الساعة على الثامنة مساءً ولم يرسل لها ابنها أي اشارة للرجوع على الهاتف كما اتفقا سوياً بالأمس .
كان ابنها ذو الثالثة عشر عاماً دائم الغياب عن المدرسة وهو ما يهدد الأم بفقدان معاش (تكافل وكرامة) الذي تعتمد عليه ، بجانب بيع الخضار ، للصرف عليه وعلى إخوته .
وضعت هاتفها داخل جِلبابها الأسود وهي في حيرة من أمرها .. لعله سيظهر قبل مدفع أفطار الغد من رمضان ، هكذا حدثتها نفسها عن زوجها الغائب ايضاً منذ شهور .. الذي كان يعمل سائقاً حين تزوجها وهى لا تعلم الآن عنه شيئاً ..
٢/
بعد أن نجت السيدة هي وجميع الركاب من رعونة السائق ، وصلت اخيراً إلى مدخل السوق الكبير وأتجهت مباشرةً إلى الداخل باحثة عن زبائن لما تبقى لديها من خضار ، لعلها تتمكن من دفع جزء من مديونيتها لدى التاجر الكبير الذي يعطيها الخضار بالأجل وشراء ما يكفي لإعداد وجبة خاصة لأبنائها في شهر رمضان الكريم .
٣/
(رفع أسعار الفائدة هو تحرش رسمي بالمُستثمر في مصر) . قالها خبير أقتصادي على الشاشة ، بينما كانت أعين عسكري المرور وصغار التجار على ناصية الشارع تكاد تخترق العباءة السوداء التي تختفي بداخلها كل يوم .. تجاهلت نظرات الحرمان من حولها وسلمت أذنيها للضوضاء المنبعثة من السيارات والبائعين حتى لا تسمع سخافات المتسكعين في الأسواق .
وفي طريقها إلى التاجر الكبير ، سيطر عليها منظر الزحام الشديد على محل الدواجن في وسط الشارع .. كانت قد وعدت أبنائها بوجبة دُجاج على إفطار رمضان .
ترددت هل تذهب الآن أم تنتظر حتى ينتهي الزحام .. لم تنتظر كثيراً ، حيث أثار الضجيج والصياح القادم من هناك فضولها فذهبت لترى ماذا يحدث هناك ، ١٧ جنيه إزاي يا معلم أومّال الفرخة نفسها بكام ؟ كانت صيحة لسيدة مسنة في وجه البائع ، فأجابها بـ٣٥ جنيه يا حاجه .. يا عم خلصنا إعمل معروف .. كانت صرخة أخرى من رجل مسن .. فاجابة البائع الصبر يا عم الحج ما لازم حد يشتري الفراخ عشان نبيع الهياكل .. أنا بايع إنهارده ٣٠ كيلو هياكل ، على العموم بنجهز طلبك جوه .
٤/
وقفت السيدة مصدومة غير مصدقة بأن سعر هياكل الدجاج (أرجل وعظام الدجاج) يُباع بـ١٧ جنيهاً للكيلو، وهو ما كان نفسه سعر الدجاجة منذ فترة غير بعيده . كان عليها الاختيار بين التضحية بعشرات الجنيهات للوفاء بوعدها للأبناء وبين تسديد عشرين جنيهاً قيمة القسط اليومي للتاجر الكبير .. قررت التفاوض مع التاجر لإعطائه نصف ما عليها فقط والاستعاضة عن الدجاجة بكيلو من الهياكل للأبناء حتى يقضي الله أمرا كان مفعولاً ..

٥/

في طريقها إلى التاجر الكبير ، مرت من أمام القهوة التي تقبع في السوق لتشرب بعض الماء ، لعلها تجد من يشتري منها باقي الخضار المتبقي من اليوم .
: (رفع سعر الفائدة هدفه امتصاص السيولة النقدية من السوق لمحاربة التضخم) ، كان هذا رد الخبير الثاني على الأول .
– يا عم اتلهي ربنا ياخدنا منها على خير ، هكذا صاح زبون القهوة من خلف دخان المعسل الذي يشربه .. يعني إيه امتصاص سيولة نقدية يا عم الحج ؟، محدثاً رجلاً في منتصف العمر يبدو على هيئتة قدر كبير من الثقافة والعلم .
* لما كمية الفلوس في السوق تزيد على الحجم المفروض ، ترتفع الأسعار ، هكذا أجاب الرجل ..
– هي فين الفلوس الزيادة دي ماشفنهاش ليه ؟ قالها الزبون وارتفعت الضحكات في القهوة وارتفع معها دخان المعسل .
٦/
اقتربت السيدة منهم قائلة : كيلو الخضار بـ١٠ جنيه وهبيعهولك بـ٨ عشان خاطرك ، انا في آخر اليوم وعايزه أروح يا حج .. أخذ الرجل منها ما تبقى معها من خضار ، حيث اعتاد ممارسة عبادة جبر الخواطر، وأعطاها زجاجة مياه غازية كانت أمامه .

– هو صحيح الأسعار هتنزل لما الدولار ينزل يا حج ؟

* ربنا يفرجها من عنده يا بنتي، ممكن على آخر السنة تقريبا ؟
 – سألته مرة أخرى، انهي اسعار ؟
* فأجاب : أسعار السلع التي تهمك لا تنخفض بسهولة عندما ترتفع ..
– تصور يا حج سعر الدجاجة في السوق عدى الأربعين جنيه ؟ لم أجد أمامي سوى الهياكل التي ارتفع سعرها هي الأخرى إلى ١٧ جنيهاً . الله يخرب بيت الدولار يا حج ، قالتها وهي ترفع يدها إلى السماء.
* سألها الرجل، وماذا كُنتُم تأكلون قبل ارتفاع سعر الدولار ؟
– أجابته في خجل (هياكل برضه) ، فضحك الجميع ،
وهنا صاح الخبير من خلف الشاشة قائلاً : (يجب تطبيق قواعد حكومتنا الرشيدة و….) وقبل أن يكمل، قام صاحب القهوة بتغيير المحطة في ضيق، فظهر المذيع المرموق بصوته الشهير وهو يحث الناس على العمل وبجانبه رجل الأعمال المرموق أيضاً يشكو قلة العمالة المحلية ، ويندد بإحجام الشباب عن العمل في مصانعه ، ثم ذهب المذيع إلى فاصل ، فقام القهوجي بتغيير أحجار المعسل للزبائن جميعاً قبل أن يواصل !..

عن algomhour

2 تعليقان

  1. وائل السنوسي

    من أجمل ما قرأت ..
    نقلت الواقع بحرفية ..

  2. ادهم ابو النيل

    كتبت فأبدعت .. أستمر ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما اشبه اليوم بالبارحة … بقلم / علي الشافعي

ما اشبه اليوم بالبارحة بقلم علي الشافعي قال لي صاحبي ــ وقد ...